أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
51
مقامات بديع الزمان الهمذاني
المحراب ، فقرأ فاتحة الكتاب ، بقراءة حمزة ، « 1 » مدّة وهمزة ، وبي الغمّ المقيم المقعد في فوت القافلة ، والبعد عن الرّاحلة ، وأتبع الفاتحة الواقعة ، وأنا أتصلّى « 2 » نار الصّبر وأتصلّب « 3 » ، وأتقلّى « 4 » على جمر الغيظ وأتقلّب ، وليس إلّا السّكوت والصّبر ، أو الكلام والقبر ؛ لما عرفت من خشونة القوم في ذلك المقام ، أن لو قطعت الصّلاة دون السّلام ، فوقفت بقدم الضّرورة ، على تلك الصّورة إلى انتهاء السّورة ، وقد قنطت من القافلة ، وأيست من الرّحل والرّاحلة ، ثمّ حنى قوسه للرّكوع ، بنوع من الخشوع ، وضرب من الخضوع ، لم أعهده من قبل ، ثمّ رفع رأسه ويده ، وقال : سمع اللّه لمن حمده ، وقام ، حتّى ما شككت أنّه قد نام ، ثمّ ضرب بيمينه ، وأكبّ لجبينه ، ثمّ انكبّ لوجهه ، ورفعت رأسي أنتهز فرصة ، فلم أر بين الصّفوف فرجة ، فعدت إلي السّجود ، حتّى كبّر للقعود ، وقام إلى الرّكعة الثّانية ، فقرأ الفاتحة والقارعة ، قراءة استوفى بها عمر السّاعة ، واستنزف أرواح الجماعة ، فلمّا فرغ من ركعتيه ، وأقبل على التّشهّد بلحييه ، ومال إلى التّحيّة بأخدعيه ، وقلت : قد سهّل اللّه المخرج ، وقرّب الفرج ، قام رجل وقال : من كان منكم يحبّ الصّحابة والجماعة ، فليعرني سمعه ساعة . قال عيسى بن هشام : فلزمت أرضي ، صيانة لعرضي ، فقال : حقيق عليّ أن لا أقول غير الحقّ ، ولا أشهد إلّا بالصّدق ، قد جئتكم
--> ( 1 ) حمزة : أحد القراء . ( 2 ) أتصلى : اصطلى ، تعرض للنار . ( 3 ) اتصلب : أتقوى وأتشدد وأصبر . ( 4 ) أتقلى : أنضج في المقلى .